فخر الدين الرازي
243
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أبواب الدنيا ، وكل شيء خطر بباله ودار في خياله فإنه يحصل له في الحال ، ولو كان السبب جهد الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال ، فلما رأينا أن الأعقل أقل نصيبا ، وأن الأجهل الأخس أوفر نصيبا ، علمنا أن ذلك بسبب قسمة القسام ، كما قال تعالى : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ الزخرف : 32 ] وقال الشافعي رحمه اللّه تعالى : ومن الدليل على القضاء وكونه * بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق واعلم أن هذا التفاوت غير مختص بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة والحسن والقبح والعقل والحمق والصحة والقسم والاسم الحسن والاسم القبيح ، وهذا بحر لا ساحل له وقد كنت مصاحبا لبعض الملوك في بعض الأسفار ، وكان ذلك الملك كثير المال والجاه ، وكانت الجنائب الكثيرة تقاد بين يديه ، وما كان يمكنه ركوب واحد منها ، وربما حضرت الأطعمة الشهية / والفواكه العطرة عنده ، وما كان يمكنه تناول شيء منها ، وكان الواحد منا صحيح المزاج قوي البنية كامل القوة ، وما كان يجد ملء بطنه طعاما ، فذلك الملك وإن كان يفضل على هذا الفقير في المال ، إلا أن هذا الفقير كان يفضل على ذلك الملك في الصحة والقوة ، وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم تعجبه منه . أما قوله : فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ففيه قولان : القول الأول : أن المراد من هذا الكلام تقرير ما سبق في الآية المتقدمة من أن السعادة والنحوسة لا يحصلان إلا من اللّه تعالى ، والمعنى أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعا فهم في رزقي سواء فلا يحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عنده شيئا من الرزق ، وإنما ذلك رزقي أجريته إليهم على أيديهم . وحاصل القول فيه أن المقصود منه بيان أن الرازق هو اللّه تعالى ، وأن المالك لا يرزق العبد بل الرازق للعبد والمولى هو اللّه تعالى ، وتحقيق القول أنه ربما كان العبد أكمل عقلا وأقوى جسما وأكثر وقوفا على المصالح والمفاسد من المولى ، وذلك يدل على أن ذلة ذلك العبد وعزة ذلك المولى من اللّه تعالى كما قال : تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] . والقول الثاني : أن المراد من هذه الآية الرد على من أثبت شريكا للّه تعالى ، ثم على هذا القول ففيه وجهان : الأول : أن يكون هذا ردا على عبدة الأوثان والأصنام ، كأنه قيل : إنه تعالى فضل الملوك على مماليكهم ، فجعل المملوك لا يقدر على ملك مع مولاه ، فلما لم تجعلوا عبيدكم معكم سواء في الملك ، فكيف تجعلون هذه الجمادات معي سواء في المعبودية ، والثاني : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا : إن عيسى ابن مريم ابن اللّه ، فالمعنى أنكم لا تشركون عبيدكم فيما ملكتم فتكونوا سواء ، فكيف جعلتم عبدي ولدا لي وشريكا في الإلهية ؟ ثم قال تعالى : فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ معنى الفاء في قوله : فَهُمْ حتى ، والمعنى : فما الذين فضلوا بجاعلي رزقهم لعبيدهم ، حتى تكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك . ثم قال : أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية أبي بكر : يَجْحَدُونَ بالتاء على الخطاب لقوله : خَلَقَكُمْ و فَضَّلَ